الرئيسية / كلمات الشيلات / قصص وروايات / قصة إلى رحمة الله يا صالح
مجلة خلطتي

قصة إلى رحمة الله يا صالح

صالح شاب عربي .امتلأ قلبه إيماناً ، وجسمه نشاطاً وقوة .. كانت أمنيته أن يرقه الشهادة في سبيله ، ويلحقه بركب الشهداء الأبرار ، فحقق الله أمنيته ولكن …
أحد الإخوة كان مع صالح لحظة ودع الدنيا ، حدثني فقال :
كما مجموعة من الشباب لا يجمع بيننا حسب ولا نسب إلا الأخُوَّةُ في الله ، قررنا ذات يوم القيام برحلة خلوية ، نستعيد فيها نشاطنا ، ونستجمع قوانا ، وانطلقنا ..وهناك ..وعبد أن صلينا الفجر ؛ خرجنا مهرولين ، هتفانا : ”الله أكبر ”ونشيدنا :
نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً
ظللنا على هذه الحال قرابة ساعتين ونصف الساعة حتى أصابنا الإعياء من شدة التعب …كان صالح – رحمه اله – أكثرنا حماساً ، وأشدنا بأساً ..كان يجري وقلبه يتفطر ألماً وحسرة ، وكأنه على مشارف الأقصى ليحرره من أيدي اليهود الغاصبين ، ولسان حاله يقوله : هاأنذا قادم إليكم ولنعيد أقدسنا ونصلي في أقصانا ..
وبعد تلك الجولة المرهقة ؛ أوينا إلى شجرة وارفة الظلال حول إحدى العيون .. كانت السماء صافية ، والجو ساكناً ، والصمت يخيم على أرجاء المكان ، يقطعه أصوات العصافير وهي تنشد أشعارها فوق أغصان الأشجار ..
كنا نتحدث ، ويمازح بعضنا بعضاً فترتد أصداء أصواتنا من الجبال القريبة منا فنتذكر تسبيح الجبال مع داود – عليه السلام – فيزيدنا ذلك إيماناً بالله ، واعترافاً بعظمته – سبحانه -.
ولما افتربنا من عيرن الماء ، تاقت أنفسنا إلى السباحة ، فنزلنا جميعاً إلا صالحاً ظل واقفاً في مكانه ينظر إلينا وكأنها نظرة مودع …دعوته إلى النزول فأبدى عدم رغبته في ذلك ، وكان قد نسي ملابس السباحة …لكنه بعد لحظات أقبل علينا وقد لبس ملابس رياضية استعارها من أحد الأخوة ، ولما هم أن يلقي بنفسه في الماء ؛ التفت فرأى رجلاً من بعيد في يده سيجارة ، فأبى إلا أن يذهب إليه وينصحه ، فاستجاب الرجل ، وألقى ما في يده .. وعاد صلح ..ووقف على حافة العين ، وكأنه يريد منا أن نفسح له ليأخذ مكانه بيننا ..فقضينا وقتاً ممتعاً داخل تلك العين ، ولم نكن نعلم أن ملك الموت كان قريباً منا في تلك اللحظات .. لقد كان في تلك العين فتحة صغيرة تسمى ( القصبة ) قطرها لا يزيد عن قطر إطار السيارة .. كان الأطفال الصغار يدخلونها ، ويذهبون إلى قرابة مترين ونصف المتر تحت الماء حتى يصلوا إلى منطقة فيها منسم ، فيستريحون قليلاً ثم يخرجون ..وكثيراً ما كنا نفكر في اقتحام هذه القصبة ، لكنّ أحداً منا لم يجرؤ على ذلك ، مع أن الأمر يبدو في ظاهره سهلاً ..
وفجأة ، ونحن مشغولون بمطاردة الكائنات المائية الصغيرة ، ينسل صالح ويدخل لك القصبة ، وكأنه يريد أن يقول لنفسه: إذا كنت اليوم تخافين دخول مثل هذه القصبة ، فكيف بد غداً إذا لقيتِ أعداء الله في أعماق البحار وقمم الجبال ..
”أوصيك بالتسجيلات ”( ) قالها صالح لأحد الإخوة ، وهي أخر كلمة سمعناها منه فلم نلقِ لها بالاً …
وحضر طعام الإفطار .. كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً …انتظرنا صالحاً فلم يأتِ ، فقلنا : لعله ذهب لقضاء الحاجة أو نحو ذلك …وطال انتظارنا فأصابنا القلق .. وطفقنا نبحث عنه يميناً وشمالاً ، شرقاً وغرباً فلم نعثر له على أثر…
أين ذهب صالحٌ ؟! سؤال دار في أذهاننا جميعاً …لكنا لم نجد له جواباً …
وبعد ساعة من الزمن ساورتنا الشكوك وخشينا أن يكون داخل العين ، ولكننا استبعدنا ذلك ، ومع ذلك حاول بعضنا دخول القصبة وإزالة الشك باليقين ، ولكن لا جدوى ؛ فقد كانت ضيقة ، والدخول فيها يعد مخاطرة .
وأكرمنا الله –عز وجل – بمجيء صبي صغير ماهر في السباحة ، فطلبنا منه الدخول والتحري ، وبعد دقائق خرج إلينا وكلنا ننظر إليه في لهفة ووجل ، فقال : لا أحد هنا .. كدنا نطير من الفرح ، وحمدنا الله – عز وجل – فصالح لا يزال بخير إن شاء الله …لكنا فرحتنا لم تدم طويلاً ؛ فقد جاء أحد المزارعين من أهل المنطقة وأخبرنا أن ماء هذا العين يخرج من هاهنا – وأشار إلى ناحية منها – ثم قال : أرى أن الماء لا يخرج كالعادة ، وأظن أن صاحبكم داخل العين قد حبس خروج الماء بجسمه ..
نظر بعضنا إلى بعض وقد عقدت الدهشة ألسنتنا ، وأيقنا أن صالحاً – إن كان الأمر كما قال هذا الرجل – لن يخرج حياً .. فلا أحد يستطيع البقاء داخل تلك القصبة أكثر من دقائق معدودة .
الرجل المدخن الذي نصحه صالح كان قريباً منا يسمع ما نقول : وكان ماهراً في السباحة فقال : أنا آتيكم بالخبر اليقين …ولم يمض دقائق معدودة حتى عاد إلينا فزعاً ، وقال : إن صاحبكم داخل القصبة ، واظنه لم يمت بعد ..
فأسرعنا وطلبنا الدفاع المدني ، ولكن بعد فوات الأوان ، فخرج صالح ، ولكن خرج جثة هامدة بلا روح …وقد ظهر على جسمه علامات وقشوط تدل على أنه لاقى من شدة الموت وسكراته ما تتصدع منه الجبال …
ومن الذي دلّ على موته ؟ إنه الرجل الذي نصحه صالح قبل وفاته بزمن يسير …رحمك الله يا صالح …شهيد إن شاء الله .. فأنت غريق ( ) .
وأنت داعية قبل موتك بدقائق ، تقول : يا أخي ، اترك التدخين فإنه حرام ومدمر ..
لقد صدق الله فصدقه الله –عز وجل –، فقد رآه أحد الإخوة بعد موته في صورة بهية ومعه زوجة حسناء .
وقد صلى عليه جمع غفير من الناس ، وضجت الأصوات بالبكاء ، فقد كان باراً بوالديه وإخوانه ..
صالح …إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنا لفراقك أيا أبا أسامة لمحزون …

عن مجلة خلطتي خلطات